
الليرة السورية تحت ضغط مستمر مع تقلبات السوق 2026
قراءة في الأسباب ومحاولة لفهم المشهد الاقتصادي المتغير في سوريا
الليرة السورية تحت ضغط مستمر في ظل تقلبات السوق وتحديات الاقتصاد
قراءة في الأسباب ومحاولة لفهم المشهد
شهدت الأسواق السورية خلال شهري آذار ونيسان 2026 حالة من التذبذب الملحوظ في سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي، في مرحلة بدت أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة العملة على الصمود، لا سيما في ظل مشهد إقليمي مضطرب وتغيرات اقتصادية متسارعة.
فبعد استقرار نسبي مع بداية العام، عادت الأرقام للتحرك في السوق الموازية، ليس بشكل مفاجئ، بل كاستجابة تدريجية لضغوط تراكمت في الداخل، وتقاطعت مع عوامل خارجية لم تكن بعيدة عن التأثير.
رحلة الأرقام: استقرار لم يصمد طويلاً
مع بداية آذار، دارت الليرة حول مستوى 11,600 ليرة للدولار، في محاولة للحفاظ على توازنها، لكن هذا التوازن بدأ يتآكل مع دخول نيسان، حيث تجاوز السعر عتبة 12,800 ليرة في السوق الموازية، في وقت استقر فيه السعر الرسمي قريباً من 11,000 ليرة.
هذا التباعد بين السعرين لم يكن مجرد فارق تقني، بل مؤشر على فجوة أعمق تتعلق بثقة السوق، وهي فجوة لطالما اعتبرها اقتصاديون عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه العملة.
خلف الأرقام: ما الذي تغيّر فعلاً؟
يرى متابعون للشأن الاقتصادي، كما أشارت تقارير إعلامية محلية، أن ما جرى لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل عدة ضغوط في توقيت حساس.
أول هذه الضغوط كان ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وفي هذا الصدد ذكر الباحث الاقتصادي محمد حمو لصحيفة الثورة أن الليرة تواجه ضغوطاً مستمرة نتيجة تداخل العوامل الخارجية مع متطلبات السوق المحلية، مشيراً إلى أن أي اضطراب في هذا الملف ينعكس مباشرة على اقتصادات تعتمد على الاستيراد، وهو ما يفسر جزءاً من زيادة الطلب على الدولار خلال الفترة الماضية.
في المقابل، لم يكن تحسن بعض الأنشطة الإنتاجية كافياً لتخفيف الضغط، بل على العكس، ساهم في زيادته مؤقتاً. فمع عودة بعض المعامل للعمل، ارتفع الطلب على القطع الأجنبي لتمويل استيراد المواد الأولية، وهي حالة وصفها أحد المحللين بأنها "تكلفة أولية للتعافي"، حيث يسبق الطلبُ على الدولار قدرةَ الاقتصاد على توليده.
الحوالات وسلوك السوق: حين يختفي التوازن
ومع انتهاء موسم الحوالات المرتبط بالأعياد، تراجعت التدفقات المالية التي لطالما شكلت ركيزة أساسية لاستقرار السوق. هذا التراجع، وإن كان متوقعاً، إلا أن تأثيره كان واضحاً في ظل غياب مصادر بديلة كافية للعملة الصعبة.
في الوقت نفسه، لعب العامل النفسي دوراً لا يقل أهمية. فقد دفعت حالة الترقب بعض الأفراد والتجار إلى التوجه نحو شراء الدولار والذهب كوسيلة للحماية، وهو ما ساهم في خلق طلب إضافي غير مرتبط بالإنتاج أو الاستهلاك الحقيقي. وبحسب تقديرات تداولها متابعون، فإن هذا السلوك كفيل وحده بتسريع أي موجة ارتفاع، حتى لو لم تكن مدفوعة بأساسيات اقتصادية قوية.
تأثيرات أبعد من الداخل
ورغم أن المشهد يبدو محلياً في ظاهره، إلا أن تأثير العوامل الإقليمية كان حاضراً في الخلفية. فالتوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة تلك المرتبطة بملفات الطاقة والممرات الحيوية، ألقت بظلالها على الأسواق، ورفعت من كلفة الاستيراد ومخاطره.
وفي هذا السياق، يرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصادات الهشة تكون الأكثر تأثراً بهذه التحولات، حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً فيها، وهو ما يضع الليرة السورية ضمن دائرة التأثر غير المباشر بأي تصعيد أوسع.
إلى أين؟
لا يبدو أن ما يحدث هو انهيار مفاجئ بقدر ما هو إعادة تشكل بطيئة لتوازن جديد، تفرضه ظروف داخلية وخارجية في آن واحد.
ويرى خبراء أن استقرار الليرة لن يكون نتيجة إجراء واحد، بل مساراً مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على زيادة إنتاجه الحقيقي، وتخفيف اعتماده على الخارج، إلى جانب استعادة قدر من الثقة المفقودة في السوق.
خلاصة
ما شهدته الليرة السورية في الربع الأول من عام 2026 لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل كجزء من مشهد أوسع، تتقاطع فيه ضغوط التعافي مع توترات المنطقة، وسلوك السوق مع محدودية الموارد.
وفي ظل هذا التشابك، تبقى الليرة في حالة اختبار مستمر، ليس فقط أمام الدولار، بل أمام قدرة الاقتصاد ككل على التكيّف مع مرحلة لم تتضح ملامحها بالكامل بعد.
مقالات أخرى قد تهمك

العملة السورية الجديدة: كيف تميّزها ببساطة؟
دليل عملي للتعرّف على العملة السورية الجديدة وميزات الأمان فيها

الليرة السورية 2026: هل ينهي حذف الصفرين التضخم؟
وما علاقة سعر الصرف بالأسعار؟

فهم إصلاح العملة السورية الجديدة
دليل شامل لفهم التغييرات في الليرة السورية وكيفية التعامل معها
